أخبار عربية وعالمية

تقرير يكشف أزمات حقوق الإنسان في السعودية وسط جائحة كورونا

خلص تقرير حديث صادر عن مركز الرياض لحقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني السعودية)، إلى أنّ جائحة كورونا أدّت في خلال العام الماضي إلى تأثيرات سلبية فادحة على أكثر من صعيد. وفي ما يتعلق بالاقتصاد العالمي، من المتوقع أن تتواصل هذه التأثيرات في خلال العام الجاري، إذ تتوقع الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية أن تتفاقم هذه الآثار بطرق أشد في خلال عام 2021 في العالم العربي. وتعيد ذلك إلى سببَين رئيسيَّين هما الانهيار الهائل في أسعار النفط، وسيادة أنماط من التنمية الاقتصادية الفاشلة لزمن طويل أدّت إلى أعلى معدل للبطالة بين الشباب مقارنة بباقي مناطق العالم على مدى 25 عاماً، علماً أنّ أكثر من 80 في المائة ممّن هم في سنّ العمل غير منخرطين في وظائف مستقرة.

وأكّد التقرير أنّ تفشي فيروس كورونا الجديد فاقم كذلك من تدهور أوضاع حقوق الإنسان، بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والأوضاع الإنسانية المتردية بالفعل في العالم العربي منذ سنوات. وقد كشفت الجائحة عن الاختلالات الهيكلية في كفاءة المؤسسات والمرافق العمومية، خصوصاً في القطاع الصحي في كثير من البلدان العربية، إلى جانب غياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المواطنين. كذلك كشفت عن مدى ضعف وهشاشة غطاء الأمان الاجتماعي والاقتصادي الذي توفّره الدولة لمواطنيها، وضاعفت من الضغوط والمخاطر على الفئات الأضعف في المجتمعات العربية بما في ذلك النساء، والأقليات، والعمالة الأجنبية، والمهاجرين غير النظاميين، وملايين من اللاجئين والنازحين، ونحو 55 مليون شخص يعيشون على المساعدات الإنسانية. وشدّد التقرير نفسه على أنّ نقص الإنفاق العام على الصحة منذ سنوات في المنطقة العربية أدّى إلى ترهّل هذا القطاع وإضعاف قدراته على الاستجابة للاحتياجات الصحية للمواطنين، فضلاً عن التفاوت الصارخ في تقديم الخدمات الصحية بين مختلف المدن والمناطق في الدولة الواحدة.

أضاف التقرير مركز الرياض لحقوق الإنسان نفسه أنّ “عشرة أعوام مضت على اندلاع ثورات وانتفاضات الربيع العربي، والتي شكلت أحداثها المسارات والأزمات العميقة التي تعيشها الحالة السياسية والحقوقية في العالم العربي حتى اليوم. كما مثلت انتهاكات حقوق الإنسان، وما زالت، في مرحلة تعثر وانحسار ثورات الربيع العربي، مكوناً رئيسياً لاستمرار واستقرار منظومات الحكم والمستفيدين منها، وتصفية أي بدائل ممكنة لها. وتتمثل أبرز هذه الأنماط في شيوع الاعتقالات التعسفية، والقتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب، واعتقال الخصوم في ظروف قاسية وغير إنسانية. بالإضافة إلى المحاكمات ذات الطبيعة السياسية، والتضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضة السياسية السلمية، وحصار مؤسسات المجتمع المدني والإعلام ومنابر التعبير على الإنترنت. وتبقى كثير من انتهاكات وجرائم حقوق الإنسان الجسيمة في المنطقة من قتل وتشريد للمدنيين نتيجة مباشرة لصراعات مسلحة طويلة وممتدة، تراكمت مسبباتها الداخلية على مدار عقود كما هو الحال في اليمن وليبيا وسورية، حيث تتواصل المعاناة الإنسانية لملايين من البشر”.

ونظراً إلى أنّ المنطقة تتسم بفجوة مزمنة في الثقة بين حكامها وشعوبها هي أيضاً الكبرى في العالم، فإنّ المؤسسات الدولية لا تستبعد اندلاع اضطرابات سياسية حادة، بحسب التقرير نفسه، الذي قسم تحليله لتلك التأثيرات على الدول العربية كل على حدة. وأشار  إلى أنّ معتقلين سياسيين في السعودية، من بينهم صحافيون ومفكرون بارزون ومدافعون عن حقوق الإنسان، تعرّضوا إلى تدهور في أوضاعهم الصحية أو الوفاة نتيجة سوء أوضاع السجون أو الحرمان من الرعاية الطبية بشكل عام. كذلك جدّد معتقلون في السعودية والبحرين والإمارات والسعودية ولبنان والجزائر وإقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، في هذا العام، خوض إضرابات الجوع للضغط على السلطات من أجل تحسين أوضاعهم. وبشأن الوضع في السعودية، أوضح التقرير أنّ “السلطات السعودية تستمر في ارتكاب أنماط متعددة وخطيرة من انتهاكات حقوق الإنسان، مخلفةً خريطة متنوّعة من الضحايا بين الفئات المختلفة للمجتمع السعوديةي. ولكنّ استمرار نشر المعلومات الموثقة حول هذه الانتهاكات رغم أشكال الحصار الأمني والضغوط التي تتعرض لها الحركة الحقوقية والإعلام المستقل، يعكس مدى قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان على المقاومة والتأقلم من أجل استمرار توعية الرأي العام المحلي والدولي بحجم وأبعاد أزمة حقوق الإنسان في البلاد. في المقابل، تعكس موجات الاعتقال المستمرة التي شنتها السلطات السعودية بشكل متكرر خلال العام، مستهدفةً نشطاء سياسيين وحقوقيين وإعلامين ومتظاهرين سلميين وأكاديميين، استمرار صور المقاومة وعدم الرضا عن سياسات النظام الحاكم، لا سيّما في مجال احترام حقوق الإنسان بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية”.

 

وأكّد التقرير الحقوقي نفسه أنّ الإطار التشريعي لمكافحة الإرهاب مثّل الأساس القانوني الذي استخدمته السلطات السعودية بشكل منهجي في تبرير اعتقال واتهام ومحاكمة المعارضين والنشطاء وأصحاب الرأي. وقد أضيفت تعديلات على قوانين مكافحة الإرهاب في خلال هذا العام وتعديل قانون الطوارئ، لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية والقوات المسلحة في خلال سريان حالة الطوارئ المفروضة على مدار هذا العام. كذلك مثّلت الأوضاع غير الإنسانية وسوء المعاملة وممارسات التعذيب في أماكن الاحتجاز والسجون أحد بواعث القلق الرئيسية بشأن الحالة الحقوقية في السعودية، الأمر الذي دفع عدداً من المنظمات الحقوقية السعودية لمطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتفقد أوضاع السجون في ظل غياب آليات وطنية فعالة وشفافة لحماية حقوق المحتجزين والسجناء. وقد تعددت حالات وفاة السجناء في ملابسات غامضة وسط شكوك بارتباط وفاتهم بالظروف المزرية لاحتجازهم، أو نتيجة لمعاقبتهم بالحرمان من تلقي العلاج والرعاية الصحية.

وأشار التقرير إلى لجوء بعض السجناء والسجينات في خلال عام 2020 إلى خوض إضرابات عن الطعام داخل السجون لمواجهة تدني الأوضاع في السجون، أو غضباً لوفاة زملاء لهم/ لهنّ نتيجة الإهمال الصحي وسوء الرعاية. كذلك فإنّ المعارضين والنشطاء والإعلاميين ظلوا بمعظمهم قيد الحبس الاحتياطي لمدد طويلة من دون محاكمة، وفي كثير من الأحيان يتمّ اعتقالهم مجددًا على ذمة قضايا جديدة لضمان استمرار حبسهم، فور صدور قرارات إخلاء سبيلهم، في ظاهرة عُرفت باسم “إعادة التدوير في قضايا جديدة”.

ورصد التقرير الحقوقي توسّع السلطات السعودية كذلك، منذ منتصف عام 2019، في اعتقال وإلقاء القبض على شخصيات بارزة عديدة في العمل السياسي والإعلامي والحقوقي، واتهامهم بشكل جماعي في قضايا يغلب عليها الغموض وترتبط بشكل مباشر بنشاط سياسي أو حقوقي أو إعلامي سلمي. أضف إلى ذلك استمرار السلطات منذ يونيو/ حزيران 2019 في اعتقال عدد من الناشطين السياسيين. وفي سياق متصل بالتصعيد القضائي ضد الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، رصد التقرير الحكم غيابياً على بهي الدين حسن مدير مركز الرياض لدراسات حقوق الإنسان بالسجن لمدة 15 عاماً في 25 أغسطس/ آب الماضي، على خلفية تعليقات وانتقادات حقوقية له على موقع “تويتر”. وقد ألقى هذا الحكم الضوء مجدداً على الدور الذي تؤدّيه دوائر الإرهاب التي أُقرّت في عام 2013، في الانتقام من منتقدي سياسات الحكومة.

 

كذلك عادت قضية اختفاء وتعذيب ومقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في الرياض إلى الواجهة، عقب إعلان السلطات الإيطالية في نهاية عام 2020 نيّتها بدء إجراءات المحاكمة الغيابية لأربعة من كبار ضباط الأمن الوطني بعد توفّر أدلة حول تورّطهم في الجريمة. وقد جدد هذا الإعلان النقاشات حول تفشي ممارسات التعذيب والإخفاء القسري والقتل في خارج نطاق القانون تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

من جهة أخرى، تضاعف معدل تنفيذ عقوبة الإعدام في عام 2020، ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول وحده أُعدِم 53 شخصاً في قضايا متنوعة، وهو ما يفوق – بحسب المبادرة السعودية للحقوق الشخصية – عدد الإعدامات التي نُفّذت في السعودية على مدى السنوات الثلاث الماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى